ظاهرات تشرين بين المسؤولين عن القمع وثارات الشهد
بقلم / ثائر الوطن
تظاهرات تشرين 2019 في العراق تركت جرح مفتوح بين روايتين، رواية الدولة عن "حفظ النظام" ورواية عوائل الشهداء عن "ثأر ما يبرد إلا بالعدالة".
شنو صار بالقمع؟
من اليوم الأول 1 تشرين الأول 2019 ردت قوات الأمن بعنف على المتظاهرين السلميين، باستخدام الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية لتفريقهم في بغداد والمحافظات الجنوبية.
الأرقام الرسمية الأولية: لجنة التحقيق التي شكلها رئيس الوزراء وقتها عادل عبد المهدي في 22 تشرين الأول أوصت بإقالة مسؤولين أمنيين كبار والتحقيق مع كبار المسؤولين عن مقتل 149 محتجا وإصابة 5,449 آخرين بين 1 و 9 تشرين الأول فقط.
![]() |
| تصريحات العامري من خطاب سياسي إلى دليل قصائي |
لكن التقديرات الكاملة للستة أشهر الأولى تقول القمع أسفر عن مقتل 600 شخص وإصابة 20 ألف بين المتظاهرين. رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي نفسه قدر العدد بأكثر من 600 شهيد و 3500 مصاب بإعاقات دائمة و 24 ألف إصابة طفيفة.
منظمات دولية وثقت أن القناصة أطلقوا النار حتى على من يحاول إسعاف الجرحى وبقيت هويتهم مجهولة، مع اعتقالات تعسفية لمئات المتظاهرين والصحفيين.
منو المسؤول حسب التقارير؟
التقارير لا تسمي شخص واحد، تسمي منظومة:
1. قيادة حكومة عادل عبد المهدي - باعتبارها المسؤولة السياسية المباشرة وقت اندلاع الاحتجاجات، وهي من وقعت على توصيات الإقالة. 2. قوات الأمن النظامية: شرطة مكافحة الشغب، قوات مكافحة الإرهاب، وقوات أمنية أخرى استخدمت القوة المفرطة وغير المشروعة. 3. الطرف الثالث والفصائل المسلحة: وثقت تقارير مشاركة ميليشيات تابعة للحشد الشعبي في القمع، مع حديث متكرر عن جماعات مسلحة وصفت بـ"الطرف الثالث" قامت بعمليات قتل واختطاف للناشطين.
قضية اغتيال الناشط إيهاب الوزني في كربلاء 2020 كمثال، اتهم فيها قاسم مصلح زعيم ميليشيا، اعتقل لفترة وجيزة ثم أطلق سراحه بعد ضغط من الحشد.
ليش ثأر الشهداء بعده معلق؟
بعد 5 سنوات، تقول منظمة العفو الدولية أن الحكومات المتعاقبة تقاعست عن تحقيق العدالة، والإفلات من العقاب هو سيد الموقف.
• تم فتح 2,700 تحقيق جنائي، لكن لم يصدر سوى 10 أوامر قبض، و 7 أحكام إدانة فقط حتى آب 2024. • لجان تقصي الحقائق شكلها عبد المهدي ثم الكاظمي ثم السوداني، لكن نتائجها وأعضائها وميزانياتها بقيت سرية. مقولة ترددت بين عوائل الضحايا: "إذا أردت أن تقتل قضية ما، شكّل لجنة". • حتى التعويضات: 504 عائلات فقط استلمت تعويض باعتبار أبنائها "شهداء" من مؤسسة الشهداء، بينما الجرحى يواجهون إجراءات معقدة تتطلب تقرير مستشفى من تاريخ الإصابة، وكثير منهم هرب من المستشفيات خوفا من الاعتقال.
منظمة هيومن رايتس ووتش قالت بوضوح: الكاظمي وعد بالمحاسبة عندما تولى السلطة في أيار 2020 لكن عندما ترك المنصب لم يكن قد أحرز أي تقدم ملموس.
مطالب عوائل الشهداء اليوم
العوائل ترفض وصف تشرين بـ"الفتنة" وتقول أولادها خرجوا سلميين يطالبون بوطن يحفظ كرامتهم.
شعاراتهم في ساحة التحرير لحد الآن:
"متى نرى القتلة خلف القضبان" و "نريد وطنا نريد تغييرا" مع مطالبة مستمرة بمحاسبة المسؤولين عن الاغتيالات.
مطلبهم الأساسي يتلخص بجملة سمعتها العفو الدولية من أم شهيد في بغداد: "نحن نحملهم المسؤولية عن دماء شبابنا التي سفكت"، ويريدون:
1. تحقيق مستقل ونزيه ينشر للعلن 2. محاكمة من أصدر الأوامر ومن نفذ 3. حماية الشهود والعوائل التي تتعرض للترهيب والتهديد بعد رفع الدعاوى
بين وعود الدولة بالتحقيق، وإصرار العوائل على القصاص، بقت قضية تشرين معلقة - لا هي انغلقت بالتعويض المادي، ولا انحلت بالمحاسبة القضائية، وهذا هو جوهر الصراع الحالي حول "ثارات الشهداء".
مسؤولين يطالبون بالقصاص ومقاضية المسؤولين عن القمع
تحويل تصريح العامري من خطاب سياسي إلى دليل قضائي هو بالضبط اللي يطالب بيه القانونيون الآن، وهذه هي الآلية:
ليش هذا التصريح مختلف عن أي خطاب سياسي عادي؟
القضاء العراقي طول 7 سنين كان يسمع رواية واحدة: القتل تم من قبل "طرف ثالث مجهول".
تصريح العامري قال: "المقاومة وقفت بشجاعة أمام فتنة تشرين وحفظت الدولة والنظام".
من الناحية القانونية هذا يفك لغز الطرف الثالث:
1. يحدد الفاعل: لم يعد مجهول، صار "المقاومة" - وهي تسمية سياسية لفصائل مسلحة منظمة جزء منها داخل الحشد الشعبي. 2. يحدد الفعل: "وقفت أمام" و "أنهت" - يعني تدخل ميداني مباشر ضد متظاهرين، وليس مجرد موقف سياسي. 3. يربط النية: وصف التظاهرات بـ"فتنة" يبرر استخدام القوة لحفظ النظام، وهذا في القانون يسمى باعث أو دافع.
لهذا قال الناشط أحمد الوشاح إن الحديث يمثل "اعترافاً وإقراراً رسمياً" بتورط الفصائل، وطالب القضاء بالتحرك.
كيف يتحول الخطاب إلى دليل في القانون العراقي؟
القانون العراقي لا يعتبر أي تصريح سياسي دليل إدانة مباشر، لكنه يحوله إلى قرينة قضائية قوية تفرض على الادعاء العام التحرك حسب المادة 1 من قانون أصول المحاكمات الجزائية:
الخطوة 1: الشكوى
يحق لأي ذي مصلحة - مثل بهاء السراي وعلي الدهامات - تقديم شكوى أمام قاضي التحقيق أو الادعاء العام. وهذا ما أعلنه السراي: "سأقيم دعوى قضائية بحق هادي العامري".
الخطوة 2: فتح تحقيق أولي
الادعاء العام ملزم حسب مطالب علي العبادي رئيس مركز العراق لحقوق الإنسان، بالتحقق من:
• من يقصد العامري بـ"المقاومة" تحديداً؟ أسماء الفصائل، قادتها. • ما طبيعة "الوقوف"؟ هل كانت أوامر إطلاق نار، انتشار قناصة، اختطاف؟ • من أصدر الأمر؟ هل هناك تسلسل قيادة؟
الخطوة 3: قيمة التصريح كدليل
• حسب قانون الإثبات العراقي رقم 107 لسنة 1979، إقرار الشخص على نفسه يعتبر دليل، لكن إقرار العامري ليس إقراراً مباشراً بالقتل، بل هو قرينة تحتاج إسناد. • القاضي يستطيع أن يستفيد من وسائل التقدم العلمي لاستنباط القرائن القضائية، يعني يربط التصريح مع تقارير الطب العدلي، فيديوهات القناصة، سجلات الحشد، شهادات عوائل الشهداء التي تقول "لدينا معلومات بشأن الجهات التي تقف خلف القتل". • إذا ثبت أن "المقاومة" التي يقصدها هي نفسها تشكيلات تمتلك سلاح وتواجدت في ساحات الاحتجاج، يصبح التصريح بداية خيط لتهمة التحريض أو الأمر أو المساعدة على القتل العمد حسب المادة 406 عقوبات. ليش القضاء متردد لحد الآن؟
مثل ما قال الدهامات: الحكومات شكلت لجان تحقيق لكن نتائجها كانت ضعيفة جداً، ولهذا توجهت العوائل للمنظمات الدولية.
المشكلة القانونية الآن:
• الحصانة السياسية لبعض القيادات • عدم نشر نتائج لجان تقصي الحقائق السابقة التي شكلها الكاظمي والسوداني • الخوف من الانتقام، مثل ما وثقت العفو الدولية أن عوائل اضطرت للصمت أو الانتقال بعد التهديد
لهذا الدعوة الحالية ليست فقط "حاكموا العامري"، بل:
يستوجب تحرك الادعاء العام وفتح تحقيق جدي وشفاف، وتحديد المسؤولين عن قتل المتظاهرين ومن أصدر الأوامر أو وفر الحماية للمتورطين
يعني التصريح بحد ذاته لا يدخل أحد السجن، لكنه يسقط ورقة "الطرف الثالث المجهول" ويجبر القضاء أن يسأل سؤال قانوني واضح: إذا كانت المقاومة هي من أنهت تشرين، فمن قتل الـ 800 شهيد؟
المرجعية الدينية في النجف الاشرف كانت تدعم تظاهرات تشرين كونها مطالب مشروعة
نعم، وهذا موقف موثق بالحرف من النجف الأشرف، ومختلف تماماً عن موقف طهران.
المرجعية العليا في النجف بقيادة السيد علي السيستاني اتخذت موقف تصاعدي وواضح مع تشرين:
1. المشاركة حق والتظاهر مشروع
في 31 تشرين الأول 2019، صرّح مصدر مسؤول في مكتب السيد السيستاني في النجف الأشرف بما يلي:
"إنّ المرجعية الدينية إذ توكّد ان المشاركة في التظاهرات السلمية حقٌّ لجميع العراقيين فإنّها تُشدّد على ضرورة عدم استغلال اسمها أو رفع صورها من قبل أيّ مجاميع مشاركة في المظاهرات"
وأكد نفس البيان: "دعمها وتأييدها للمطالب الإصلاحية للمتظاهرين السلميين وعدم تفريقها بين أبنائها المطالبين بالإصلاح على إختلاف توجهاتهم"
2. المطالب واقعية ورفض العنف
الباحثون يلخصون موقف المرجعية في تشرين أنه "موقف وطني إصلاحي واضح"، منذ انطلاق التظاهرات أكدت المرجعية أن مطالب الشباب تعبر عن حاجات واقعية تتصل بضرورة تحسين إدارة الدولة، وفي الوقت ذاته شددت على رفضها القاطع لاستخدام العنف ضد المتظاهرين.
وهذا ما جعل النجف تتناقض جذرياً مع طهران. المرشد الإيراني علي خامنئي وصف المتظاهرين بأعمال شغب واتهمهم بالعمالة للخارج، بينما ردت النجف بجملة أصبحت شهيرة: "لا يحق لأي جهة أو طرف إقليمي أو دولي مصادرة إرادة العراقيين" - اعتُبر رداً مباشراً على اتهام خامنئي للمتظاهرين.
3. حماية المتظاهرين
مصادر سياسية نقلت وقتها أن تحذير السيستاني للحكومة كان سببه خشيته من أن ينتقل المتظاهرون للاعتصام قرب مقره في النجف، لأن اعتصامهم عند مكتب السيستاني يعني حصولهم على حماية كاملة من القمع الحكومي، إذ لا يمكن تصور أن تقوم القوات الأمنية بقتل المحتجين قرب مقر المرجعية الشيعية العليا.

تعليقات
إرسال تعليق
تعليقك يهمنا كثيرا لتشجيع كادرنا